أهل الفن

شاهندة علي تكتب.. مسلسل بين السما والأرض.. بين وضوح الصورة وغموض التأليف

تمثل الأعمال الكلاسيكية تاريخاً هاماً لعصرها ، إذ فلكل تجربة  فنية تاريخ محاط بنواحيه الأقتصادية والأجتماعية والسياسية ، وهذا ما أراده الكاتب (إسلام حافظ ) فى معالجة مسلسه الذى يحمل تراث للأديب الكبير “نجيب محفوظ”  بعنوان “بين السما والأرض ” بمعالجة فنية مختلفة تناسب روح هذا العصر وعاكسه له، فمن هنا يأتى فهمنا لهذه الفرضية تبعاً لرؤية المؤلف الذى يمتلك كل الحق فى رؤيتها ، وربطها بالدلالة المكانية و النفسية لعنصر المكان وهو (المصعد) الذى يحمل بدوره الطبقات المختلفة، ولكن هل هذه الفرضية أصابت الهدف بالكامل أم لا ؛  وهل نجح المخرج (محمد العدل )فى التعبير عن نص المؤلف بالصورة أم لا ؟

أزمات جمالية  تحسب للمخرج

فمن التكوينات التى تحسب للمخرج فى الحلقة السابعة بالتحديد، من خلال تصويرالأزمات داخل العلاقات وجعلنا نحن أى (المتلقى ) مشاركاً فى رؤية جميع أطرافها ، فالأزمة الأولى من خلال منزل “سارة” الذى ينقسم إلى قسمين، الأول فى وجود حماتها وزوجها فى نصف الكادر، بينما تتواجد هى فى النصف الآخر، لنشاهد أثر سماع  حديث الزوج والأم  نتيجة للعبارت المؤلمة فى تأخرها للإنجاب، فصنع المخرج الصورة التى تجعلنا نشاهد مشاعر الأزمة كاملة من جميع الأطراف ، فتتطورالأزمة بزواج الزوج بأخرى ، والأزمة الثانية داخل منزل “شاكر”، الذى ينقسم إلى قسمين ، الأول فى وجود ” شاكر ” وشقيقه فى نصف الكادر ، والابن فى النصف الآخر، لنشاهد أثر سماع حديث أزمة أمتلاك منزلهم مع شقيق والده ، فتتطور الأزمة بالأنتقال إلى المكتبة وترك المنزل، وفى منزل “حميد ” من خلال الأزمة الثلاثية الذى يقف فيها “حميد ” فى عمق الكادر وفى المنتصف “كريمة” وفى المقدمة ” علا” ، فكانت ” كريمة” فى المنتصف فى الحركة وفى المشاعر أيضاً فهى تحب “حميد” ، ولكن “حميد” يحب ” علا” ، ومن جانب أخر “علا” و”حميد” فهم يواجهون أزمة “الإرهابى سيد” من خلال عدم موافقته على أتمام الزواج، فتتطور الأزمة بزواجهم وخروج “كريمة” من المنزل ، وإما مشهد الأزمة بين الممثلة “رؤية” و”المنتج”، فيظهرهم المخرج واقفان والمسافة الفاصلة بينها هى الاناء الساخن الذى يدل على حالة المنتج الشهواني، فتتطور الأزمة بترك ” عوض “من جانب ” رؤية “،  وترك ” فاتن” من جانب ” المنتج”، وبصفة عامة للخروج من أزمة الأيقاع أستخدم المخرج عامل الاضاءه لخلق التنوع بين المصعد والعالم الخارجى ، وبعض الشخصيات ذات الطابع الكوميدى والأعلامى لتخفيف وطأه التراجيديا ، ولكن كوميديا الموقف النابعة من شخصية ” جلال أبو الوفا ” كانت الأكثر إيجابية وذلك نسبة لتاريخ الشخصية وأدائها المتشائم غير الواعى التى تصنع الضحك الأسود تناسباً مع شبكة الشخصيات  الأخرى ، وللحالة العامة داخل المصعد ، وأستخدم المخرج أيضاً التقطيعات التى تدل على تاريخ كل شخصية أثناء هذا الحدث المتشائم وما قبلها، وبعض الجمل المباشرة التى تدل على الزمن ، وخاصة فى الحلقات الأولى لتعرفنا بهؤلاء الشخصيات وعلاقاتهم المتداخلة ، من خلال حيلة الفلاش باك ، ثم أخذ فى الخروج قليلاً عن هذا المنوال فى الحلقات التالية ، فأصبحت التقطيعات حرة بين الشخصيات والأحداث ، ولم يلجأ المخرج إلى استخدام عنصر الموسيقى المتواصل إلا فى المشاهد القليلة ، بينما ربطها بشخصية “سارة” وزوجها التى توحى بأصالة العلاقة ، وأتخذت الموسيقى أيضاً من خلال الأغنيات الكلاسيكية ، الذى كانت أسلوب بداية كل حلقة ، فكانت كل حلقة تحمل عنوان أغنية ، وجزءاً من موسيقاها ، ولكنها لم توفق فى بعض الحلقات.

صورة المخرج أجتازت التعبير

فيمكننا القول أن المخرج  أجتاز  التعبير عن ما يريد إيصاله للمتفرج من خلال الصورة بشكل جيد عن أزمات الشخصيات وعلاقاتهم المتداخلة وعن الصراع  وتغيرات المجتمع أيضاً التى أوضحها فى بداية المسلسل من خلال التتر وكلماته  لصورة المجتمع أثناء هذه الفترة، من خلال عرض العرائس والزيف وتراجع القيم والعلم وسيطرة رأس المال والنفوذ ، ووصولاً لشكل المرأة المعاصرة التى تقود دراجة نارية ، فكانت البداية هى النتيجة فى الوقت ذاته وهى أنفجار المصعد أى أنفجارنا، ثم الرجوع أكثر من هذه اللحظة للخلف للمعرفة والتأكد على هذه النتيجة  من خلال الشخصيات \ المحتجزون \ المتهمون، داخل المصعد الذى يرمز للضيق النفسى لهم، حتى وأن صنع ذلك بعض التكرار فى المشاهد، والمباشرة من خلال الملابس الخاصة منذ اللقطة الأولى للعصابة والنقش المرسم بعلامة خطر وكلمة الهدف ، ولكن النتيجة مقبولة بشكل جيد فى معظمها.

المقدمات لا تؤدى إلى النتائج

ولكن تكاملاً مع فرضية المؤلف المأسوية لمعظم الشخصيات ، التى تكون هى سبب  لهذا الأنفجار الأنسانى ، يبقى السؤال لماذا يجعل المؤلف المرأة  التى تنتظر مولودها منذ سنوات و تعانى ايضأ مرضاً يجعلها من الممكن أن تموت ، إصر على جعلها تلده بالفعل داخل المصعد، فهل يقصد أن هذا هو مصير المستقبل ، أم كان من الأفضل أن يحاول حتى خروج الرضيع من خلال حنكات إخراجية، أو مثلأ خروجه عن طريق فتحة الكسر الذى قام بها  “حميد”، حتى وإن كان المولود \ المستقبل ، خرج من رحم أم  مخطئة ، وهى شخصية  ” سارة ” التى  أخطأت بقتل رضيع زوجها كما أوضحت الأحداث ؟!، أم كان من الأفضل، كى يحافظ المؤلف على خطوطه المأساوية ، أن يجعل الام تموت ؟ ، فالمشهد الذى يجمع شمل هؤلاء المحتجزين يخرج المؤلف عن فرضيته أى الخط الذى يريد المسلسل أبرازه من البداية ، وهى أن كل الشخوص تمثل الأرض( القاع)، ولا يوجد سماء ، فالطابع القيمى ، والاخلاقى ، والأنسانى الذى يجعل المجتمع مترابط ومتعاون فى مشهد الولادة غير موجود، ولذا ما حدث الإنفجار؛ فطالما خرج المؤلف عن نطاق الخط الحقيقي للأديب نجيب محفوظ، فكان من الممكن أن يخرج أيضأ بعدة حنكات من خلال الأحداث بخروج بعض الشخصيات فقط من المصعد والبعض الأخر يموت ، مثل العلم والحكمة من خلال رمزية “شاكر”، حتى ولو خانه أبنه، والطفل الذى يحمل رمزية المستقبل حتى ولو كان من أم مخطئه ، والحلم ، حتى ولو كان مقهور بعد فقدان عقله، أو حتى من خارج المصعد مثل الأمان من خلال شخصية الضابظ ، ولكن أمات الؤلف كل هؤلاء ونصرالأرهاب؟!، ولكن إذا أراد أيضاً أن يتمسك بفرضيته بالحكم على شخصياته بالموت جميعاً، الذى جعله للحظة يتشابه مع الارهابى، ويقرر أنهم يستحقون هذا العقاب ، فلماذا أيضاً قدم مشهد المواجهة إذاً فى الحلقة الرابعة عشر التى اخذت الطابع المسرحى، فطالما لا يكتفى بتطهيرهم فى هذه اللقطات ؟!، فهل كان من الأنسب أن يحذف هذه المشاهد الخاصة بالمواجهة، ويكتفى برصد ما فعلوه من جرائم ومن ثم الموت ، طالما أراد هذه النهاية؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى